Jafar Islah

December 10 – 25, 2011

Jafar-Islah

 

توجهات اجتماعية , فلسفية , ومتعة جمالية
جديد جعفر اصلاح

الفنان جعفر اصلاح صاحب تجربة فنية ثرية طويلة انطلقت عام 1970، قدم فيها على مدى اكثر من اربعة عقود مضت الكثير من اسهاماته المتنوعة لشتى مجالات الفنون التشكيلية من تصوير ونحت واعمال للجرافيك والتصوير الفوتغرافي واستمرت مسيرته في تؤدة دون ضغط او الحاح، وفي قرائتنا لاعماله نجده غير معني بصياغات فنية بعينها، ولم يكن في يوما أسيراً لأساليب محددة لمدارس أو تيارات فنية كالتي تغص بها الحياة الفنية التشكيلية العربية والعالمية.
يطل علينا اصلاح بين الحين والآخر بعرض أعماله في أوقات متباعدة فهو المقل في انتاجه وينجي نحو البساطة أكثر وأكثر مع مرور الزمن، قبل أن ينتهي هذا العام وفي شهر ديسمبر يحسم أمره ويعرض أعماله التي انجزها على مدار الخمس سنوات الفائتة بقاعة بو شهري للفنون بالكويت. نجد فيها مجموعة من الأعمال تصب في صميم الحياة ومتغيراتها ذات مضمون اجتماعي يمارس فيها الفنان حالة من التواصل والنوعية بغية تحريك المشاعر بلغة تشكيلية وصيغ دقيقة بأحاسيس قريبة للنفس، محببة للمشاهد.
وفي مجموعة أخرى من اعماله المعروضة يظهر فيها الفنان جانب آخر من نشاطه الفكري الفلسفي وما ينشده من الغوص في المعرفة الكونية وما يرتبط بجوهر الانسان، برؤية يظن بها معرفة باطن الحقيقة.
يقدم لنا اصلاح أعمالاً صاغها بألوان الاكريلك ويصوغ اصلاح أعماله ببساطة وسيطرة على مسطح القماش بالوان الاكريلك ويلفت نظرنا قدرته على ذلك حتى لو استخدم لون واحد وهذا ما يفعله في الغالب ونراه في لوحات الطبيعة الصامتة ومجموعة لوحاته التي تناولت الفتيات أو النساء على الشاطئ وغير ذلك من لوحات هذا الجانب في توجهاته، عندما يتحيز للفرح والسعادة ويسعى لتحقيق قيم فنية وجمالية اخرى.
ولوحات جعفر اصلاح عموما هي وليدة محاولات وجهد مبذول ونتاج لتجارب عديدة ويمثل العنصر الانساني فيها اساسا في غالبيتها.و إن وصفت بعض أعماله بالبساطة والتلقائية يجب أن تنتبه أنه ليس بالتلقائية وحدها ينشأ أعماله وفنه نشاط تركيبي وبنائي معماري. ومن خلف ابتكاره عمل مهاري انتاجي تشكلت من مجموعة خبراته وحسه ووجدانه، ولفن الرسم واستخدام الخط أهمية خاصة في أعماله ويقول عنه آلان بوسكيه Alian Bosquest الكاتب والناقد الفرنسي 1919 – 1998 أنه موهوب متعدد الملكات حتى وإن كان قد اشتهر عن حق بسبب موهبته في الرسم.
واستحوذ حلة وترحاله وسفره المتكرر لبعض دول الشرق والغرب صاحبة التميز الفكري والثقافي والفني في العالم جانب كبير من اهتمامه ساهمت في اثراء مخزونه الابداعي، وأصبح بالنسبة له ضرورة حياتية من أجل المزيد من العلم والمعرفة والتواصل مع فنانيها، والاطلاع عن كثب على تجاربهم الفنية والانسانية. مما صبغ تجربته بحرية البحث والتجريب لكل المدارس والاتجاهات دون استبعاد لاي منها.

الفن ومضمونه الاجتماعي
بالرغم من معيشته متنقلا ومقيماً بروما وباريس والهند والقاهرة وبالي منذ العام 1972 وحتى اليوم , على فرض إعتقاده بأن وطنه هو فسيح الكون سخره سبحانه وتعالى ليحيا فيه الانسان , نجده في لهفة دائمة وقلق مستمر على مستقبل بلده الآسرة لخاطره ووجدانه , نراه منشغلاً ومتفاعلا مع المتغيرات وبالمشكلات والسلبيات التي تطفو على سطح مجتمعه ما دفعه أن يتوجه متوسلاً أعمالا فنية موضوعية هادفة وثيمات ذات مضمون اجتماعي لا تنقصها الجرأة في الطرح مخاطباً بها البصر والبصيرة لدى المتذوقة محبي الفنون وليست من باب التهكم أو التجريح لا سامح الله , مستفيداً من حريته وحقه في التعبير , هى حالة من الحب التي يعليها الفنان بنظرته الإيمانية لشتى مناحي الحياة وتظهر موقفه وهو الأكثر وعياً بدور الفن الاجتماعي والاخلاقي , بفرض أن الفن يعد واحداً من المجالات الرئيسية في المجتمع يؤدي دوراً ورسالة .
يطل إصلاح على مجتمعه المعروف بالتحفظ , بتأليفات ذات المساحات الكبيرة التي قد تمتد للوحة تكمل بأخرى , يعالج فيها إفتراضات تنشد الحقيقة وتتحمل مغزاها الانساني الاجتماعي .
في ظروفنا الراهنة , نواجه مرحلة محملة بالأحداث والتحديات ينوئ بها كاهل مجتماعتنا , نستشعر منها حاجتنا الملحة لدعم التوجهات الاجتماعية والثقافية الإيجابية وتجديدها والدفع بها .
من هنا تأتي الاهمية المضاعفة للدور المتأمل من الصفوة المثقفة , فقد أثبتت التجارب السابقة في مجتمعات كثيرة أن الفن أداة أصيلة وعظيمة الفائدة في تأسيس المجتمعات الناجحة .
وتشكل أعمال اصلاح ( النهضة , وشهر رمضان وولائم القطط , والحرامية هنا , والحفلة ) تجربة بارزة في إنتاجه مؤخراً وبحثه الجاد الذي يستهدف به تسجيل موقف يتلائم ورؤيته ووعيه الاجتماعي استقاها من شامل أيام حياته ( 1964 – ) وخزانة ذكرياته وانفعالاته المكبوته .
في اسلوبه المتميز بالبساطة والتسطيح أو اللاتجسيم , كان لقدراته وعطاءات أدواته الفنية أثراً في التكوين والتركيب لأعمال الذي تحكمه العلاقة بين الشكل والفراغ.
ويتجلى أسلوبه الذي لا تخطئه عين والذي تحكمه علاقات تصويرية وثيمات لها دلالاتها الرمزية ومن الخطوط والشكل والفراغ تتوضح قدراته على التركيب والتكوين المعماري مع أن أعماله يحكمها التسطيح والخطوط .
في هذه الأعمال تتكثف رؤيته وعشقه لفن الرسم وامتلاكه لناصية التعبير الخطي واتقانه له وتمكنه ملاذه ليسيطر به على كامل عمله بثقه وبعيداً عن أي تردد . و تأتي صياغته في هذا الاتجاه الدعوى والاجتماعي هوالأقرب لرسوم الأطفال و لزمات البراءة والعفوية التي تميز رسومهم .

دعوة المجتمع لتجديد عاداته
في إهتمامه بالدعوة الإصلاحية البصرية، يطل الفنان على مجتمعه في أكثر من ميدان، بغرض الإهتمام بتبني عادات جديدة والحض على ممارستها بما يعود على الناس بالخير.
وفي لوحتيه هواء الربيع ، وهي والدراجة يدعو لتحديث عاداتنا ومواجهة المتغيرات في حياتنا اليومية والتشجيع على إستخدام الدراجة الهوائية كوسيلة تنقل من جديد ,للحفاظ على البيئة من آثار الإنبعاث الحراري والتلوث المدمر للبيئة وخطرها المحدق بنا وبكوكبنا.
وفي إهتمامه بهذا الجانب، نجده قد أصدر كتابه – الدراجة البوم صور – مجموعة من الصور الفوتوغرافية خلال زياراته المتعددة لكثير من بلاد العالم، تحتفي بالدراجة وبالدعوة لإنتشارها، فكما هي وسيلة مواصلات تتناسب مع أصحاب الدخول الضعيفة، يعتبر إقتنائها كأداة رياضية تساعد في التغلب على أشهر أمراض العصر المنتشرة في مجتمعات الدول المتقدمة التي تعاني منها الغالبية من الناس بسبب الإستخدام الدائم للسيارة وقلة الحركة البدنية.

الأعمال ذات البعد الفلسفي

ربما يمثل البعد الفلسفي الروحاني الجانب الاهم في حياة جعفر اصلاح و تعتبر من أكبر وأحب مقارباته لنفسه , فنلاحظ أن كثيراً من أعماله يتأسس على قاعدة روحانية وبعداً فلسفياً صوفياً , ويرجع السبب في ذلك لدراسته ومعرفته بطريق التصوف مبكراً عام 1976 .

التصوف في الفن نعني بذلك تجسيداً لرؤية فنية وليس بمفهومها التقليدي الشائع دينياً , والتصوف ليس حياة سلبية يعتزل صاحبها المجتمع الذي ينتمي إليه ويهرب من المواجهات الحياتية , إنما هى فلسفة حياه تغيرية في انفتاح و حركة دائمة و بحرية تلقائية تهدف إلى الترقي بالنفس الإنسانية أخلاقياً و مجاهدة الأهواء و تصفية النفس عن طريق التأمل والتفكر , والتعمق بما يتجاوز الظاهر الى الباطن ومحاولة الكشف عن الجانب الآخر للأشياء و التآلف بين المتناقض منها ,فالليل ليس بنقيض للنهار انما هو وجهه أخرى لليل , وتكملة له.

و عن مسيرته في العطاء التشكيلي على هذا النحو قدم اصلاح الكثير من اسهاماته على مدار سنوات مضت في مجال البعد الفلسفي والروحاني , وخص معرضه الأخير بقاعة بوشهري للفنون بالكويت في هذا التوجه بأكثر من عمل تشخيصي ( الفكر – شجرة الخلود – عيون الحكيم – وداعاً للملذات – انكسار الروح – حروب الوهم) رسوم وضرب من التصوير لنشاط فكري يَظُن بها الفنان اصلاح باطن الحقيقة ويعيننا على أن نفهمه بعيداً عن الرؤية الظاهرة أو محاكاه للواقع المرئي وفقا لما يراه في سعيه للفوز بكبد الحقيقة التي تؤول دلالته التصويرية بغرض التوجه الى الجوهر , فلا يعنى له أبداُ دقة المحاكاه إنما يعني التعبير الهادئ بما يملك من حساسية لخصائص عناصرة المرسومة ورموزها .
ويعتمد اصلاح في هذه الأعمال على الطاقة الروحية ونفحة الزهد تتضح في الخطوط والمساحات وتنزيل اللون على سطح القماش .
ونجده مراعياً لقوانين الايقاع والاتزان التي تبنى عليها فسيولوجية كل الكائنات الحية كالمسافة الزمنية لعملية التنفس يبن الشهيق والزفير وترتبط بقوانين الطبيعة وونجده مراعياً لقوانين الايقاع والاتزان التي تبنى عليها فسيولوجية كل الكائنات الحية كالمسافة الزمنية لعملية التنفس يبن الشهيق والزفير وترتبط بقوانين الطبيعة وإيقاع الحياة كما نعرفه في التناسق الكوني universal Harmony والأجرام السماوية وعلاقتها بعضها ببعض والمطابقة والملائمة للمزاج الانساني , ويعتبر العارفيين أن عنصر الايقاع والأتزان أهم قيمة انسانية في كل الاعمال الفنية عبر التاريخ .

موضوعات تحقق الجمال والمتعة
حينما نكون إزاء معرضا لجعفر اصلاح هو حصيلة مجموعة أعماله خلال فترة الخمس سنوات الماضية يثير إنتباهنا جانب آخر من توجهاته هي لوحات تعبر عن طبيعة صامته،توليب أبيض وأحمر – السيدة والزنبقات والسيدة مع طاولة الشاي، ومجموعة لوحاته للشاطئ والسابحات وثلاث مظلات على الشاطئ وأزرق وأبيض أعمال يتأكد فيها رصانة التصميم وإمتلاكه الناصية الخط المرسوم تلخيصا ًمعبر يوظفه بمدى ما يملك من حساب حسي دقيق مبرزاً خصائص عناصره المرسومة سواء أكانت عنصراً جامداً في الطبيعة الصامتة،أو من عنصراً إنسانياً الذي يشكل عادة أساساً في غالبية أعماله، فهو يعرف دائماً الصياغة الفنية العالية في رسومه وعلاقات الأشكال مع بعضها ومع كامل المساحة في حالة هادئة من التعبير، ويتضح ذلك التمكن منذ بداياته الاولى حيث نال اصلاح دراسته الأكاديمية الجيدة في جامعة بيركلي بكالفورنيا 66 -1971 وعلى يدي فنانين عالميين كبار من أمثال كيتاي وبللين وغيرهم.
لقد أوفى و أصاب د. مصطفى عبدالمعطي الفنان المصري المعروف عندما كتب عن اصلاح ، بأنه يتفرد بشخصية مستقلة ويتجلى ذلك في قدرته على توظيف عناصر التشكيل في تصميم شكلي لوني محكم ، كما أنه يؤكد مدى ثقافة الفنان ووعيه بمعاصرته وهضمه لفنون الثقافة الاوربية التي شاء لها الله ان تكون هي حضارة العصر، إضافة إلى تشبعه بتراثه وحضارته الإسلامية والبيئية.
وبالرغم من قلة إنتاجه وشح أعماله فهو لا ينتج أكثر من ثلاث أعمال في السنة إلا أنها تتميز بالمساحات الكبيرة التي يحلو للبعض تسميتها بالجدارية على مثيلاتها في الحجم، فاصلاح صاحب قدرة على صياغة لوحات كبيرة ويسيطر عليها ببساطة وبتكوينات معمارية متوازنة وخطوط مرهفة ومتقنة.
واصلاح في هذا الجانب لا يعول كثيراً على موضوع اللوحة ولا يرى له أهمية كبير،فقيمة العمل الفني لا يقاس بقيمة موضوعة منسجما في ذلك مع رأي الفلاسفة عندما يعرفون النشاط الفني ويرجعونه إلى مفاهيم الجمال واللذة واللعب ..،ويتميز اصلاح بتفردة الخلاق في هذه الأعمال ولا يعنيه هنا أن يرى دقة المحاكاة بل القيم الفنية التي تحقق البهجة ومتحيزاً للفرح والسعادة والإستمتاع باللوحة بوصفها عملاً جماليا من الحياة ولها.
في مجموعة لوحاته المرتبطة بنساء تحت المظلات على شاطئ البحر وعلاقة الطبيعة بالسماء والماء والرمال والبشر يتطرق بألوانه الغير مألوفة أحياناً مستخدماً خامة الأكريلك واللافت هنا قدرته على صياغة بعض هذه الأعمال بلون واحد أو درجات وربما يدخل على إستحياء لون آخر.
وفي العموم هي أعمال هامسة شاعرية تلمح فيها ثقافته الشرقية والروحية وصدى تراثه الإسلامي ورفضه للتقاليد والعادات المكبلة لحرية وحقوق الإنسان والمرأه على وجه الخصوص، فإن كانت المرأه هي رمز للجمال والبهجة للحياة، فلا بد من إحترامها والمحافظة عليها، وأن نشملها بالتقدير والرعاية والحفاظ على كرامتها، ونلحظ على سبيل المثال في لوحات الشاطئ مدى إلتزامه بتقدير المرأه وإحترام خصوصياتها ويرفض الإعتداء على إنسانيتها من أي إمتهان أو تعرية لجسدها حتى لو كانت على شاطئ البحر بغرض السباحة والإستمتاع بأشعة الشمس.
وفي بعض أعماله يقوم اصلاح بعملية تحضير مسبقة (اسكيزا) كدراسة أولية لبعض الموضوعات كوسيلة لحل مشكلة ما ، ويمكن اعتبار هذه الدراسات في النهاية عمل قائم بذاته وليس مجرد رسم تخطيطي (كروكي) كما يعتبرها الكثير من النقاد رسوم ذات قيمة فنية ومرجعية يعتد بها لتتبع عملية الإبداع الفني التي يسلكها الفنان.